الرئيسيةاليوميةالتسجيلس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتدخول
مرحبا بكم في منتدى الفلسفة المحكمة
لكل استفساراتكم يمكنكم الاتصال بالبريد الالكتروني الخاص بالمنتدى: oranphilosophie@yahoo.fr
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Like/Tweet/+1
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» نصر حامد أبو زيد
الخميس فبراير 28, 2013 5:56 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» يوم دراسي حول الفلسفة و العلم (جدل الفلسفة و ثورة العلم)
السبت يناير 26, 2013 3:03 am من طرف بن يمينة كريم محمد

» الملتقى الوطني الثاني حول إشكالية التقويم و أساليبه في منظور التكوين الجامعي في ظل نظام LMD
الأحد يناير 20, 2013 8:37 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» منتديات قسم العلوم الإجتماعية جامعة د.مولاي الطاهر -سعيدة- شعبة الفلسفة
الخميس يناير 03, 2013 10:09 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» ملتقى الأدب الإصلاحي: الأفكار والأشياء 03/04 أبريل 2013 مخبر الحركة النقدية في كلية الآداب واللغات- قسم الأدب العربي: جامعة د. الطاهر مولاي: سعيدة – الجزائر
الخميس يناير 03, 2013 10:05 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» الملتقى الدولي الثاني حول حوارات في الدين واللغة يومي 15 و 16 أفريل 2013
الخميس يناير 03, 2013 10:02 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» ملتقى وطني حول المعالجة الآلية للغة العربية - واقع وآفاق - يومي 06/07 جمادى الأولى 1434 هـ الموافق 18/19 مارس 2013.
الخميس يناير 03, 2013 10:00 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب الشبان
الأحد أكتوبر 23, 2011 11:44 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

» Colloque National :Les langues dans l’espace familial algérien
الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 7:11 pm من طرف بن يمينة كريم محمد

Like/Tweet/+1
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 8 بتاريخ السبت أغسطس 27, 2016 12:22 pm
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
بن يمينة كريم محمد - 74
 

شاطر | 
 

 من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية قراءة أولية في كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بن يمينة كريم محمد
Admin


عدد المساهمات : 74
تاريخ التسجيل : 08/08/2011
العمر : 50

مُساهمةموضوع: من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية قراءة أولية في كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي   الخميس أغسطس 18, 2011 5:57 pm

من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية
قراءة أولية في كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي

محمد المصباحي

»لو عادت إلينا الروح، لكان هذا التحليل رُكْنَ الزاوية في بنائنا العقائدي«، خواطر الصباح 3، ص 107.

»الزمن هو منبع كل المفارقات« 190.

»لا مستقبل لأية عقيدة بديلة وهي تعارض في آن السنة وما بعد السنة«، الإصلاح والسنة، 205.
1. الكتابة بالمفارقة

يُجمِع الذين قرأوا كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي بأنه كتاب مدهش[1]. ولعل ذلك يعود، علاوة على أفكاره الطريفة وملاحظاته اللاذعة وإشاراته الشخصية والأصيلة، إلى طريقة كتابته التي تجمع بين المفارقات والمتضادات، بين الإشارات والتلميحات، بين اللطائف والشوارد، وبين مستويات وشبكات متداخلة من التحليل والتركيب، مبتعدا بذلك عن الكتابة الاستدلالية التحليلية التي تدّعيها الفلسفة. و قد تُعطِي هذه الكتابة لأول وهلة الانطباعَ بأنها كتابة بسيطة فطرية، لا تحفل بالتناقضات العقلية ولا بالمتضادات الواقعية، لاسيما وأنها سلكت طريق الحِكَم والأمثلة، طريق الجزالة في الأحكام المفاجئة والصادمة للفهم (انظر مثلا ص 205، 67، 68). لكنها، في الواقع، أبعد ما تكون عن ذلك، فهي كتابة كثيفة متأملة عميقة واعية بذاتها وبصعوباتها، غنية بلفظها موحية بدلالاتها[2]. وهذا ما يجعلها شبيهة بلغة الوحي (oracle) في جزالته وأحكامه الجازمة ومفارقاته التي تندّ عن العقل. إن القدرة على الإدهاش تقتضي نضجا فكريا ووجدانيا ولغويا كبيراً، نضجا يمكّن صاحبه من الجمع بين الكثافة والرشاقة، وكأني به يُدشّن أسلوبا جديدا في الكتابة العربية المعاصرة.

ومما يُضفي على الكتاب مزيدا من الهالة والتشويق حرص صاحبه، العروي، على الارتفاع فوق التاريخ والفلسفة والثيولوجيا نحو الميثولوجيا. أضف إلى ذلك، أسلوبه المخضرم الجامع بين أجناس مختلفة من الكتابة، بل يحاول أن يجد له موقعاً فوق أجناسها، أو قل في منزلة بين منازلها: فأسلوبه لا هو، حصراً، أسلوب فلسفي أو كلامي (ولو أن موضوع الكتاب فيه شيء من الثيولوجيا أو بذور من علم كلام جديد، بحكم دفاع صاحبه عن الإسلام، لكن لا كبناء عقائدي مكتمل وجاهز قبْليا على شكل “سنة” نهائية، وإنما كأفق، كمشروع مستقبلي لمُسلِمي الغرب!)، ولا هو أسلوب روائي أو تاريخي إخباري، ولا هو من جنس اليوميات والسَّيَر الذاتية، أو جنس الكتابة التَرسُّلية، ولكنه يبدو أنه يؤم كل ذلك، وكأنه سعيٌ إلى اصطناع أسلوب هجين ملقّح بكل الأساليب المذكورة[3]. وبهذه الجهة يمكن وَسْم كتابة العروي بأنها كتابة برزخية، بالمعنى الذي يفيد فيه البرزخ تلك المرتبة الوجودية المتحررة من قيود المقولات، مرتبة تجعل صاحبها يملك أكثر من وجه تُمكّنه من الإطلال على المجالات المتقابلة التي توجد بينها دون أن يتوحد بأي منها، وهذه البرزخية، لعمري، من دواعي قوة الكتاب. ونتيجة لذلك تُعفيك كتابته من اتخاذ موقف منه، معه أو ضده، متكتفية باستدراجك على حين غرة لكي تطرب معه في أجوائه الغنية الحافلة بأطياف من الغموض والمفارقات والتلميحات الفلسفية والشعرية المشرقة. وهو أثناء كل ذلك لا ينفك عن القيام بعمليات تفكيك جذرية للمفاهيم والأفكار والمسلمات، سواء تجاه السُّنة الإسلامية أو السنن والمسبقات الغربية، لإعادة بنائها بكيفية تكاد تكون شبه أسطورية. وبالفعل، كانت الأسطورة (بالمعنى الفلسفي لا الأنتروبولوجي) أداته المفضَّلة في هذا الكتاب، بل لعلها غايته القصوى. فنحن في زمن الأساطير، تنهض دولٌ وتتفكك أخرى بفعل الأساطير. ومن لا أسطورة له لا يُعوَّل عليه في مجال السياسة، التي هي أحد موضوعات الكتاب. خذ مثلا تعامله مع لفظة “هلنيستي”، ذات الرنين الموسيقي[4]، حيث كان يتعامل معها كما لو كانت أحد “العناصر الأربعة” التي تدخل في تركيب كل شيء يتصل بالوجود التاريخي والمصير الثقافي شرقا وغرباً إلى زماننا هذا!

وبسبب قربها من الفلسفة، تبدو كتابة العروي في هذا العمل وكأنها خواطر مسائية؛ غير أن جنوحها إلى “اعتقال الشاردة” بدل “استخلاص البديهة” (ص 14)، يجعلها أقرب ما تكون إلى توهمات صوفية. ولعل جانبا آخر من سحر العبارة لديه آت من كونها اتخذت سبيل الحكي والرواية لا سبيل البرهان والدراية، مما أضفى عليها طابعا شعريا غامضا، وشجع صاحبها على إطلاق الأحكام ولو كانت طائشة، وكأنه أحد المجاذيب المعاصرين!

لكن القول بأن هذا الكتاب مدهش لا يعني أبداً أنه مقنع. فالدهشة لا تؤدي لزوما إلى القناعة، فأحرى إلى اليقين، وكأن الدهشة مضادة لليقين وملازمة لزوما ذاتيا لعدم الإقناع. وأعتقد أن الكاتب كان مصرّا على ذلك، أي على عدم الاهتمام بتحويل الدهشة إلى قناعة أو يقين، طالما أنه لم يكن يؤمن بأسلوب التحليل الفلسفي القائم على التحليل والبرهان. وهو لا يؤمن به ليس تقيةً من ملاحقة، أو هيْبةً من اضطهاد إن هو كشف عن مراميه الحقيقية، ولكن رغبةً منه في أن يترك للقارئ هامشا من الحرية في الفهم والتأويل. ولعل الكتابة على طريقة المذكرات/المراسلات، ساعدته على أن يتعالَى على الحجة والدليل، والاكتفاء باعتصار خبرة العمر على نحوٍ تقريري شبه نهائي، وكأن الأمر يتعلق بجوامع كَلِم كافية نفسها بنفسها.
2. أفق تفكيك السُّنة

هل كان القصد من وراء كتابه هذا، السُّنة والإصلاح، أن يَرجِع بنا إلى زمن “اللاهوت السياسي” بعد أن يئس من “الفلسفة السياسية” التي طالما روّج لها في كتبه السابقة؟ أم أنه كان يقصد مكافحة اللاهوت السياسي عن طريق استدراجه إلى مسلسل الحداثة؟ هل أراد أن يكون “متكلما” سياسيا، بعد أن كان فيما مضى فيلسوفا سياسيا، أم أنه اكتفى بأن يلبس خرقة الحكيم “الصوفي”؟ هل ينتمي موضوع الكتاب إلى مجال التجربة التاريخية السياسية العامة، أم إلى مجال التجربة الروحية المتصلة بعالم “الكتاب العزيز” و”التجربة المحمدية”؟ وبما أن موضوع الكتاب هو “السنة”، ألا يندرج ضمن كتب المفاهيم: الإيديولوجية، الحرية، التاريخ، الدولة، والعقل ثم “السنة”؟

يمكن العثور على عدة مداخل لقراءة الكتاب، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى مدخلين، مدخل التقابل بين السنة والإصلاح، ومدخل وصفة الخروج من أزمة الإسلام والحداثة. المدخل الأول لقراءة الكتاب يمكن أن نستعير له استعارتي بارمنيد-هيراقليط، اللتين تتناوبان الكتاب بإيقاع يكاد يكون موسيقيا، وتشيران إلى السنة التي تتميز بالثبات واللازمنية والوحدة واللاتاريخية، والإصلاح الذي يتميز بالصيرورة والزمنية والتاريخية. تريد السنة إيقاف مجرى الزمن، مجرى التغير والصيرورة، وتحويل الحدث إلى بنية ونظام ثابتين، ويسعى الزمن إلى خلخلة السنة وإعادة تركيبها عن طريق خلق الحدث تلو الحدث، إما من الداخل الزمنية الإسلامية أو من خارجها. وقد انعكس هذا الإيقاع البارميندي الهيراقليطي على مفردات العروي التي صارت تتردد بين الثبات والتغير، الوحدة والكثرة، الواقع والمثال، الفعل والجوهر، المادة والصورة، البنية والصيرورة، السنة (بمرادفاتها: النظيمة، الأنظوم، النسق) والحدث، بين الطمس والإبراز. السؤال هو هل استطاع العروي أن يخرج فعلاً من هذا الإحراج (dilemme) السنة/ التاريخانية، أو السنة/الإصلاح الذي أقحم نفسه فيه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تم له ذلك بتقويض السنة تماما، واستبدال عقل السنة باللاعقل، ليجد نفسه أمام الصمت والحرية (العدمية)، أم بإصلاحها على شكل “نيو سنة”، أم بالقفز عليها نحو “ما بعد سنة” (بوست سنة بلغته) أو “سنة بديلة” (ألتير سنة)؟

لا نتصور أن العروي كان يعتقد بأنه يمكن لمجتمع ما أن يعيش من غير سُنّة، فالسنة، كما ورد على لسانه، أشبه ما يكون برد فعل بيولوجي للنفس دفاعا عن بقائها إزاء الطارئ والجديد، ” فتتصرف كالسلحفاة، كلما استشعرت الخطر تقوقعت لتستمسك وتصمد” (169؛ انظر ص 170). من هنا نفهم لماذا أصرّ صاحب كتاب السنة والإصلاح على التشبث بأفق التاريخانية، لأنها بالنسبة إليه هي الجواب على التحدي الذي ترفعه السنة، تحدي معاداة الزمنية والتعدد والاختلاف والتطور والنسبية، أي تحدي التاريخ الذي صدرت عنه. فالتاريخانية هي جواب العروي على تحدي العقل السني الذي يفكر “مثل حصان يحرك ناعورة” (173)، والذي يكتفي بالنظر في كلام الله بدل النظر في الكلام البشري (من علم وفلسفة وفن وصناعة). لا فلسفة تستطيع أن ترفع هذا التحدي سوى “التاريخانية المركبة”[5].

يصرّ العروي، إذن، على البقاء وفيّاً لانتمائه الأصلي “للتاريخانية”، بالرغم من تعرّضها لسيل من الانتقادات العنيفة من كل جانب، وبخاصة بسبب مخاطر العدمية التي تحف بها. نعم، مَن يقرأ الكتاب لا بد أن يلحظ بين السطور وجود طيف من العدمية، التي هي قدَر الحداثة، لاسيما في شعوره الخفي بالمرارة جرّاء الفشل الذريع الذي أصاب جلّ المشاريع الوطنية والقومية والاشتراكية، بما تحمله من وعود الحرية والعقلانية والعلمانية، وهذا ما أضفى على هذا الكتاب سحنة تراجيدية بعض الشيء، تجلت خاصة في نوع من الحنين نحو الماضي السحيق. غير أن تاريخانيته اتخذت طريقا ملتويا. فأمام هذا الجو المُحبِط الذي يولّد الشعور بالحدود، وأمام هذا “الزمن المخلاف”، لم يبق أمامه سوى أن يقوم بتجربة ذاتية شبه “صوفية” وشبه مستحيلة، تنطلق من قراءة القرآن رأسا لرأس ومن استحضار التجربة المحمدية لتتعالى عن نفسها نحو شيء آخر. وبعودته إلى الفردانية المتعالية عن الذات التاريخية، بعد أن تخلى عنها إلى الانغماس في الشأن التاريخي في زمن التأجج اليساري، يكون قد اعترف بحدوده وحدود قدرة تاريخانيته الأولى على إخراج الأمة من تأخرها التاريخي المزمن؛ لكنه بفضل وعيه بحدوده لم يركن إلى اليأس، لم يفقد الأمل في إصلاح آخر يكون بتاريخانية أخرى[6].

المدخل الثاني لقراءة الكتاب هو الوقوف على الوصفة الشفائية التي قدمها العروي لمواطنة غربية، ذات مواصفات خاصة، سألته عن صيغة للحفاظ على ‘هويتها وانتمائها الإسلامي وصفاء قلبها وراحة ضميرها’، دون مس بثوابت حداثتها التي لا تقبل النقاش فيها[7]. ومع أن صاحب الكتاب آل على نفسه إلا أن يخرج من “كهف” الحاضر نحو “نور” الماضي، فإن خطابه كان في حقيقة الأمر موجها نحو المستقبل. وكان سبيله إلى ذلك القيام بتفكيك مفاهيم وآليات تشكيل السُّنة في كل من الدين والفلسفة والعلم والكلام والتصوف، باعتبارها، أي السُّنة، العقبة الكأداء أمام تحرر العرب من ماضيهم والانخراط في رهان الحداثة، الذي هو أحد موضوعات الكتاب[8]. ذلك أن تحول الدين إلى سُنة معناه أن يتكلس كل مرة في نظام مغلق مناهض لكل البدائل سواء جاءت باسم الاجتهاد أو التحديث، مما يترتب عنه رفضها لكل تعدد أو اختلاف على صعيد الأفراد والجماعات، فتقف بذلك ضد العقل، والحرية، والتاريخ، أي ضد التقدم وكل ما يبعث روح التحدي في الذات. وهذا الكلام صحيح بالنسبة لأي سنة، سواء كانت سنة فلسفية أو علمية أو كلامية أو ثقافية، وسواء تعلق الأمر بالدين الإسلامي أو بغيره من الأديان والشرائع[9].

وكانت لتفكيك آليات ومفاهيم العقل المستعمَل في صناعة السُّنن والأنظمة الدينية والفلسفية والكلامية غاية أخرى هي الوقوف على أحد أصلي[10] السنة العلمية والفلسفية المشتركة، وهو الهللنستية. وكان من نتيجة إثبات هذا الأصل إدراج الفلسفة في صدارة الفرق الإسلامية، مما سمح بفتح حوار واسع يربط المقاصد الفلسفية للعقل بالمقاصد الدينية للوحي. “فالعقل ما بعد السني”، كالعقل “ما قبل السني” لا يمكن أن يكون بطبيعته إلا منفتحا على البدائل الأخرى.

وبوجه الإجمال يمكن القول بأنه على الرغم من الأفق شبه العدمي لفعل التفكيك، فقد كان يروم من ورائه فهم الأزمة الخانقة التي يعيشها الإسلام، وتقديم بديل يتمثل في إسلام صافي لا تحجبه سُّنة أو مذهب. وقد آل به منطق التفكيك إلى الوقوف على ما قبل السُّنة، ليُقيم مصالحة بين العقل الحداثي والعقل الإيماني، كما فعلت ‘ما بعد الحداثة’ إما مع تراثها ما قبل السقراطي الذي عملت الأفلاطونية والأرسطية على نسيانه، أو مع التراث الوسطوي الذي طمسته النهضة والحداثة. لم يشأ العروي، هذه المرة، أن يفكر في هذه الأزمة في ظل الفكر الإسلامي[11] ولا في ظل أزمة الفكر الغربي[12]، لأن التفكير فيها ضمن هذا السياق، أي في جو من المقابلة والمقارنة، لا يزيد الطين إلا بلة، وإنما أراد أن يفكر في الأزمة بالرجوع إلى ذات “ما قبل السنة”، لاكتشاف أعراض وأسباب أمراضها وتقديم وصفة لشفائها.
3. من كهف التاريخ إلى نور الميثولوجيا

لكن، من هو العروي؟ مِن أيّ منبر فكري كان ينطلق في هذا الكتاب للتفكير وإصدار الأحكام وتوجيه الانتقادات وصياغة الوصفات؟ هل كان يصدر من موقع الفيلسوف، أو المتكلم، أو الفنان (الروائي)، أو المؤرخ؟ هل العروي مفكر نهضوي أم حداثي تنويري أم هو بالأحرى مفكر ما بعد حداثي، ما بعد تنويري، وما بعد علماني، أم هو من نوع الفلاسفة السابقين على سقراط، أو من المتصوفة الذين وصلوا وما عادوا؟

سبق له في الجزء الثالث من خواطر الصباح أن حصر لائحة تتكون فقط من ثلاثة مجالات يمكن الانتماء إليها واعتبار ما عداها مجرد لغو لا أهمية له، وهي الإبستيمولوجية والفن والتاريخانية[13]، لينتهي إلى تعريف نفسه بأنه مفكر تاريخاني. في السنة والإصلاح قدم لائحة جديدة موسعة تتضمن خمسة مباحث هي الفلسفة وعلم الكلام والتصوف والعلم والتاريخ ثم التاريخانية. فيربأ بنفسه أولا أن يكون فيلسوفا، ثم يرفض أن يكون متكلما، وينأى بنفسه عن أن يكون عالما ومتصوفا وحتى مؤرخا (ص 4، 165)، ليقنع بالانتماء إلى زمرة التاريخانيين[14]. ليس غرضنا أن نبحث في تفاصيل رفضه الانتماء إلى المجالات الأربع المذكورة، وحسبنا أن نشير إلى أن هذا التعريف غامض ومثير للجدل، لا فقط بسبب الالتباس الذي يلف كلمة “التاريخانية” وأهلها (وكأن الأمر يتعلق “بإخوان صفا” معاصرين!)، ولكن أيضا بحكم تطورها وارتباطاتها المفهومية والواقعية المعقدة. لن أدخل في التفاصيل، وحسبي أن أتساءل هل التاريخانية التي ينادي بها في هذا الكتاب الذي نحن بصدده هي نفس التاريخانية التي كان يقول بها في كتبه السابقة أم أنها، إذا جاز لنا اقتفاء طريقة تخريجاته للألفاظ، نيوتاريخانية أم أنها بالأحرى بوست تاريخانية؟

يعلم الجميع بأن العروي عرّف نفسه، فيما سبق، بالتاريخانية، إيماناً منه بأنها هي السبيل الوحيد لتحليل مأزقهم التاريخي خروج العرب والمسلمين من ، من كهف ظلامهم الذي يتخبطون فيه[15]. فكان رفع شعار التاريخانية موجها نحو المستقبل لا صوب الماضي، ولذلك كان عليها أن تتسم بالعقلانية والواقعية والفعالية بالاستناد إلى العلم والشرائع القانونية والسياسية الحديثة. سيظل العروي في كتابه السنة والإصلاح متشبثا بالتاريخانية بعناد وبدون رغبة في “التوبة” عنها، لكن بمضمون جديد جعله ينتقل من تاريخانية يسارية ذات نَفَس ماركسي إلى تاريخانية يحوم عليها طيف من المحافظة. كانت تاريخانية العروي الأولى تجري في الزمن القصير وتعاني من مفارقة ذاتية مفادها أنه في الوقت الذي كان يربطها بالتاريخ والزمن، لا يتردد في الدعوة إلى القطع مع التراث، الذي هو ليس شيئا آخر سوى ترجمان التاريخ والزمن. لن نتصدّى لحيثيات هذه المفارقة ومدى شرعيتها، ولكننا نكتفي بالقول بأنها لا تصدق إلا على الزمن ذي المدى القصير. أما في كتابه هذا، فلأنه وضع مشروعه في أفق الزمن الطويل، فسنجده يحفر تحت التاريخانية الأولى، للعثور على تاريخانية ثانية ذات استراتيجية جديدة تفسر انبثاقَ الدولة الإسلامية بتحقيق وعد إلهي للنبي إبراهيم إزاء ذرية ابنه إسماعيل، أي إزاء العرب ، وليست نتيجة إرادة الناس وقواهم الاقتصادية، والمجتمعية، والسياسية[16].

نفهم من هذا أن العروي لا يقوم في كتابه هذا بتحسين أو تعديل التاريخانية الأولى استجابة لمستجدات التاريخ الحديث[17] بقدر ما يعمل على تقديم بديل لها هو أشبه ما يكون “بما بعد تاريخانية” (بوستتاريخانية)، أو “بتاريخانية بديلة” (ألتيرتاريخانية)، قائمة على زمن طويل وتاريخ رمزي حكائي بدلا من الزمن المعاش والتاريخ الفعلي. فعندما كان يتكلم مثلا عن النبي إبراهيم، لم يكن يهمه إبراهيم التاريخي، وإنما إبراهيم “الراموز”، الذي يفسر رفض العرب اعتناق اليهودية والمسيحية، ترقبا منهم لمجيء نبي يؤكد “الوعد الإبراهيمي” بتأسيس دولة تملأ الدنيا والزمن شرقا وغربا.

ومما يعزز الطابع “الما بعدي” لتاريخانية العروي في هذا الكتاب، جنوحه إلى التخلي عن تعريف الإنسان بالعقل والرؤية، والاتجاه نحو تعريفه بالذاكرة والرؤيا مجاراة للعقلية السامية[18]، وهجومه المدمن على الفلسفة، ونفوره من أي نظيم، أو تركيب، أو حلم[19]. غير أننا نذهب إلى أنه من بين أهم علامات الاتجاه الجديد الذي اتخذته تاريخانيته في هذا العمل، ربطه ظهور الحداثة الغربية بالإسلام، وليس بالأوائل من اليونان والرومان[20]. وقد حقق بهذا الربط الجديد والطريف عدة أهداف فكرية، منها نزع هالة التقديس اللاتاريخية التي كانت تُضفَى على اللحظة الهللّينية، اللحظة التي تمثل في نظر مُدّعيها حالة نقاء “الفكر الغربي اليوناني” من أي تشويش واختلاط وارد عليه من الشرق. وبدلاً من ذلك، أُضفى تلك الهالة على اللحظة “المقابلة” لها، اللحظة الهللنستية، لحظة لقاء الحضارة اليونانية مع الحضارات الشرقية. ويفسر العروي هذا “القلب” بكون الشرق هو الذي أخصب الحضارة اليونانية بإدخال القلق في ذاتها وفكرها بفضل اختراعه الحرْفَ والعدَد من جهة، وبفضل الحدث الإبراهيمي الذي دشن انفصال الإنسان عن الكوسموس، أي عن الوثنية التعددية، واكتشافه الوحدة الإلهية المتعالية من جهة ثانية. وقد أدى ربط بزوغ الحضارة الغربية بالإسلام، من ناحية أخرى، إلى إعادة الاعتبار للإسهام الوسطوي، الإسلامي والمسيحي واليهودي، في بناء الحضارة الحديثة[21]. لكن ع. العروي ذهب أبعد من ذلك، عندما اعتبر الإسلام هو الوريث الشرعي للحدَث الإبراهيمي في قوته وصفائه الذي يؤرخ لميلاد فكر الوحدة والواحد، وللحدث الهللينستي في شموليته وعقلانيته والمتمثل خاصة في الانتباه للزمن ولعالم الكون والفساد، ليستخلص بأن الحداثة الغربية هي بالضبط بنت الحضارة الإسلامية، وليس اليهودية والمسيحية، إذ هي التي حملت في أحشائها بذور الإنسية والحرية والعقلانية. بهذا النحو يكون العروي قد قدّم الإسلام بوصفه الخيط الناظم الجديد للحداثة وما قبل الحداثة من ناحية، ولحضارات البحر الأبيض المتوسط من ناحية أخرى[22].

وتحملنا الملامح الجديدة لهذه التاريخانية التي نصادفها في المؤلَّف الذي نحن فيه على الزعم بأنها تشبه التاريخانية الجرمانية في أكثر من وجه، وإن كانت تخالفها بأكثر من وجه. فعودة العروي إلى ما قبل السُّنة هي شبيهة بعودة كل من نيتشه وهيدجر إلى الفلسفة السابقة على سقراط، لأنه يعتبر كل ما جاء بعد التجربة المحمدية هو مجرد تحريف لها، أي تجميد للحدث الإسلامي بإفراغه من طاقته الفعالة وصبه في قالب السُّنة الجامد. ولعل وصف العروي للفلسفة بكونها مجرد عبور من لهجة إلى أخرى، ومن مذهب إلى آخر، يجعل تاريخانيته شبيهة بتاريخانية نيشته. وإذا كان العروي لا يذهب إلى حد اعتبار الفلسفة لُعبة لغوية صراحة، فإنه يشير أكثر من مرة إلى ما يشبه ذلك خصوصا عندما يشكك في وجود الحق. من جهة أخرى، بينما يربط العروي الحداثة الغربية بالمنجزات الثقافية الإسلامية ذات الطابع المواضعاتي (التوافقي) والإنسي والعقلاني، فإن الفيلسوفين الألمانيين يربطانها بالفلسفة اليونانية والقوانين الرومانية[23]. وكما نجد هيدجر يعود إلى الفلسفة ما قبل السقراطية ليكشف عن الحقيقة الأصلية للعلم والفلسفة، أي عن العناصر التي تشكل البديل الذي يقترحه لحل معضلة الحداثة، فإننا نجد العروي يعود إلى ما قبل السنن الدينية، أي إلى النداء الإبراهيمي، ليثبت بأن الرسالة الإسلامية هي التي فهمت نداء إبراهيم الخليل فهما حقا. أما الرسالتان اللتان سبقتها، اليهودية والمسيحية، فهما مدعاة للسخرية والاستهجان إما بسبب طابعهما التجسيدي، أو بحكم طابعهما اللاعقلاني. وبالتالي فإن حل أزمة الحداثة قد يكون بالرجوع إلى الإسلام الجامع بين الحدثين الإبراهيمي والهللينستي!

من جهة أخرى، تشبه تاريخانية كتاب السنة والإصلاح “تاريخية” ليو شتراوس (الجرماني الأصل) الذي ربط مشروعه الفكري، المعادي للتاريخانية بسبب نسبيتها التي آلت بها إلى العدمية، بضرورة الانفلات من زمن الحداثة، والرجوع إلى الأسباب التي كانت وراء سقوطها في أزمتها الأخلاقية والسياسية الطاحنة، مع الأخذ بعين الاعتبار الإنسان من حيث هو موجود مدني (مواطن)، لا من حيث هو كائن وجودي فردي (دازاين)[24]. وبالمِثْل، كان مشروع العروي في هذا الكتاب تحكمه الرغبة في الانفلات “من سجن الزمنية السنية”[25]، وتوجيه الاهتمام إلى المسائل (الماهيات) الأزلية (الوعد الإبراهيمي). ويمكن أن نرى ملامح هذا التوجه في تصريحه مثلا بأن التيولوجيا الوسطوية كانت موجودة كنواة في الفلسفة الهللنستية، والفلسفة الحديثة بدورها كانت كامنة كبذرة في التيولوجيا[26]. ويمكن وصف موقفه هذا باللا تاريخي (ahistorique) لأنه لم ينظر إلى الفلسفة والتيولوجيا في ضوء زمانهما وأفق تاريخهما الخاص، بصراعاته وبنياته وانتظاراته الثقافية والاجتماعية، وإنما باعتبارهما أمرين أساسيين أزليين يوجدان في رحم التاريخ. أما الوعد الإبراهيمي فهو غير عابئ بالزمن التاريخ. ويظهر ميله الصريح لمعاداة “التاريخية” (لا التاريخانية) أيضا في الوصفة التي قدمها للتحرر الفكري قائلا: “علينا إذن، لكي نتحرر فكريا، لنواجه مشاكلنا في العمق، أن نتخطى، على الأقل نظريا، منظور الغير، أي علينا أن نقفز فوق حدود الزمن والمكان” (ص 205). بيد أن رجوع تاريخانية ع. العروي الحالية إلى اللحظة البريئة الفطرية السابقة على السُّنة تضع “تاريخانيته” في مواجهة “تاريخية” ليو شتراوس. فقد فضّل هذا الأخير أن يَرجع لا إلى السابقين على سقراط، وإنما إلى سقراط نفسه وتلميذيه أفلاطون وأرسطو، عبر تأويلات الفارابي وابن رشد وابن ميمون، سعيا وراء اكتشاف بديل أكثر عقلانية وأكثر انفتاحا على الإيمان من الفلسفة السياسية الحديثة؛ بينما كان همّ العروي في هذا الكتاب قاصدا البحث عن لحظة إسلامية بريئة محايدة وبعيدة عن كل تأويل، تكون منطلقا لبناء هوية جديدة منفتحة على الحداثة.

هكذا يكون ع. العروي، من جراء وضع يده على الأصْلَ الإسلامي الهللنستي للحداثة الغربية، مدعوا للبحث عن حداثة بديلة من داخل الإسلام، لكن لا الإسلام المتبلور في سُنّة محددة مطوَّقة بجملة من القواعد الفقهية والضوابط الكلامية الصارمة، بل الإسلام الصافي السابق على السُّنة. وفي نظرنا، لا بد لهذا الحل أن ينطوي على قابلية الإسلام والحداثة معاً للتغيير المتبادل، بأن يعمل الإسلام على الإسهام في تطوير علمانية الدولة انطلاقا من مبادئه الذاتية، وتعمل الحداثة الغربية على الاعتراف بأصولها الإسلامية. على هذا المنوال يمكن نزع فتيل التصادم بين الإسلام والحداثة، وفتح الطريق نحو تطوير الإسلام للحداثة وتطوير الحداثة للإسلام، في إطار ثوابت ثلاثية الحداثة: العقلانية والعلمانية والليبرالية.

إذا كان الأمر هكذا، ألا يحق لنا اعتبار كتاب السُّنة والإصلاح بمثابة “رد جميل” على خطاب البابا المناهض لعقلانية الإسلام؟ هناك أكثر من مؤشر غير مباشر وربما غير مقصود على رجحان هذه الفرضية: منها إثباته أن الإسلام هو وليد الثقافة الهللنستية، شأنه في ذلك شأن المسيحية وسائر حضارات البحر الأبيض المتوسط؛ ومنها اعتباره أن أصل الحضارة الحديثة جرماني منذ بداياتها النهضوية، هذا الأصل الذي تَمَثَّلَ التجربةَ الإسلامية أحسن تمثل مستلهما إياها للقيام بثورته الإصلاحية (البروتستانتية) عن طريق العودة إلى التجربة الإبراهيمية[27]، وهذا ما يقوله بصريح العبارة: “لولا الإسلام الأول لما تم إصلاح في الغرب، ونشأة مسيحية جديدة في الغرب الجرماني” (ص 278). ودليل العروي على ذلك، حِدّة التنابذ والتباغض بينهما، أي بين الحضارة الإسلامية والحداثة الجرمانية (الغربية)، الذي يصفها بقوله بمناسبة محاولة فهم الأزمة بين العرب والغرب: “الأزمة الحقيقية هي انعدام الهدف (Lack of Purpose). مثَّّلَ الإسلامُ في التطور التاريخي محاولة جدّية لتوحيد العالَم تحت راية الحرية والرقي. إلا أنه أخفق، فَخَلفه الغرب، أي الجزء الجرماني من الإمبراطورية. ونجح إلى حد ما. نجح لا بصفته وارثا للرومان بل للإمبراطورية الإسلامية، وارثا نظرتها إلى الدنيا وإلى التاريخ. من هنا التنابذ بين السلف والخلف، السابق والمسبوق. ويمتد النزاع، يصل التباغض إلى الذروة عندما يضطر المسبوق إلى التنكر لأفضل ما في ذاته والتقهقر إلى الجزء المتجاوز من ماضيه ليجعل منه جوهر ميزته وأصالته”[28].
4. التاريخانية المركبة أو التاريخانية ما بعد الحداثية

بكتابه هذا يكون العروي قد حاول الخروج من كهف التاريخ الواقعي لا إلى نور الفلسفة الحديثة، وإنما إلى كهف ثان، كهف التاريخ الميثولوجي، عندما جعل نقطة انطلاقه راموز النبي إبراهيم، مشفوعا “بأسطورة” الفلسفة الهللنستية. وكانت غايته من وراء ذلك التحرر من عائق التسنن الذي أرهق كياننا وشوّه ذاتنا ورَهن هويتنا وأقعدنا عن التحدي والمبادرة. أراد أن يعلّم مراسِلَته الغربية كيف تَنصِت إلى الحدَث كيما تتخطى قلاع السُّنَن التي طوقت الدين، والفلسفة، والعلم، والتصوف، وتنظر إلى هذه الفضاءات بدون حجاب، من غير مشيخة، ولا مرجعية، ولا “نظيم” أو “أنظوم”. لاشك أن الأمر لا يتعلق هنا برشدية جديدة، ولا بِنيُو حزمية (نسبة إلى ابن حزم)، أو بتصوف علماني ينهَل مباشرة من الكِتاب العزيز والتجربة النبوية في منأى عن التفاسير والتآويل والمشايخ، وإنما “بما بعد تاريخانية” تسعى للوقوف على حدود الإسلام حيال الأمور الطبيعية والاجتماعية والسياسية والقانونية عن طريق فك الارتباط بين الإيمان والسنة، قصد تحريره من عبئها والعودة به إلى قوته الأصلية وقابليته الفطرية للتفاعل مع الحداثة التي هي منه، بل واستعداده الذاتي لأن يكون بلسما لأزمة الإنسان المعاصر شرقا وغربا.

لعل السؤال الذي حرّكه للتفكير على هذا المنوال هو كيف يمكن إخراج الإسلام من مآزقه وتناقضاته، وعلاجه من أمراضه الذاتية والعرَضية، كيف يمكن الاحتفاظ بالصفات الثماني للمراسِلة الغربية دون أن تفقد هويتها وإيمانها بالعلم والديمقراطية وحقوق المرأة؟ تفنن العروي في إخفاء “دوائه الأعظم” بجعله يتخذ أكثر من مظهر، وأهم تلك المظاهر على الإطلاق القرآن والاقتداء بالتجربة المحمدية، التي هي صدى أصيل للتجربة الإبراهيمية.

برهن ع. العروي بدوائه هذا على عناده الشديد. فأمام إلحاح “السائلة” الغريبة على أن لا يخاطبها بالأصول (هذه الغريبة التي تذكّرنا بشخصية “الغريب” في المحاورات الأفلاطونية)، أبَى إلا أن يتحدّاها ويقدّم لها وَصْفة قائمة بالضبط على أصل الأصول حفاظاً منه على هوّيتها وضماناً لمستقبلها. لقد مارس صاحب كتاب السنة والإصلاح نوعا من الحفر وراء “الأصولية” المحافظة، لاكتشاف أصول أخرى وراءها، أصول محرَّرة ومحرِّرة للأفراد والجماعات من جبروت الزّمن السُّنِي. والتحرر من زمن السنة معناه الانفتاح على زمن الحدَث، الأمر الذي يخلق في الذات مَلَكة التقاط الجديد في حياتها ورؤية الطارئ على وجودها. دافَعَ العروي على عناده بالقول بأن الجميع بدون استثناء يبحث عن الأصول، وبأنه لا يمكن فهم، أو بالأحرى، شِفاء الإسلام من الأمراض التي يعاني منها إلا بالعودة إلى الأصول، لكن لا الأصول الثانية التي شذبتها السُّنة، وإنما الأصول الأولى، الأصول السابقة على المذهبَة والتشذيب. نحن إذن أمام تاريخانية من طراز جديد، تاريخانية “ما بعد حداثية”، أو تاريخانية “تحليلية-نفسية”، تفتح الباب أمام لقاء غير مشروط بين اللوغوس بالميتوس في لحمة لا تنفصل. وبالطبع ما كان للعودة إلى الأصول الطّرية المحايدة أن تتحقق لولا قراءة الكتاب العزيز مباشرةً، من غير إرشاد أو توجيه من لدن المفسرين والشرّاح والمتكلمين، اللهم إلا من كانوا من “التائبين!”.

لم يكن من الصعب عليه أن يُصفّي حسابه مع سُنن الفلسفة وعلم الكلام. فمنذ الصفحات الأولى يعلن تبرأه منهما وحتى من التاريخ الإخباري. ولكن الصعوبة الكبرى بالنسبة إليه تكمن في كيفية تبرير تجاوز السُّنة الدينية؛ ولهذا استأثر تفكيك آلية تكونها وآليات استحواذها على الجماعات والأفراد وتعطيلها إياهم بجُلّ صفحات الكتاب تقريبا، بحيث كدنا نجاهر ما مبرر حشر كلمة “الإصلاح” في عنوانه. وكان تصديه للسنة (كما تصدى لمفاهيم أخرى كالدولة والحرية والعقل) صادرا عن إيمان عميق ومتميز بالرسالة المحمدية[29]، بل إنه لم يكن يُخفِي حتى انتصاره للإسلام في وجه الديانتين النصرانية واليهودية. وهو بهذا الوجه كاد أن يجمع بين المؤمن والمتكلم (الثيولوجي).

هل يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة اعتراف مبطَّن بالفشل واليأس من إمكانية إنجاز مهام الحداثة والتنوير في العالم العربي؟ أبدا،ً فنحن نذهب إلى أن هذا الكتاب هو من أكثر كتبه تفاؤلا، لا لأنه فقط يكشف فيه، وبقوة، عن المضمون الحداثي والتنويري للإسلام، مما يفتح الباب واسعا أمام إمكان القيام بإصلاح جذري يمكن أن نبارز به “الحضارة الجرمانية المعاصرة” حسب قوله، بل ولأنه استطاع أن يلتقط الجديد في مجرى تاريخنا المعاصر وأن يعالجه بطريقة أصيلة. وعلى الرغم من مظاهر المحافظة التي تلوح بين الحين والآخر من بين ثنايا كتابه، فإن العروي، في اعتقادنا، لم يتنازل عن حداثته بلوازمها العقلانية والعلمانية والليبرالية، مع رغبة دفينة في تطوير مضمونها بالانفتاح على الإيمان. من أجل هذا سمينا تاريخانية كتاب السنة والإصلاح “بالتاريخانية المركبة”، التي دشنت أمثولة جديدة قائمة على المفارقة لتاريخنا الآتي.

هذا وكان هاجس وحدة البحر الأبيض المتوسط حاضرا لديه بقوة، حتى لا تكون هناك ذريعة لأي كان للتبشير بمعاداة غبيّة وغير مبَرّرة من الضفتين، بين الحداثة والإسلام، بين العرب والغرب. وقد تمكّن من تكريس هذه الوحدة بين الضفتين بفضل إثباته اشتراك الضّفتين في السّجِلين الأساسيين الإبراهيمي والهللينستي. بالتأكيد ظلت هناك ثغرة كبيرة في الأركان المشتركة بين الإسلام والحداثة، وهي غياب سجل ثالث هو “الفلسفة السياسية الحديثة”. بيد أننا لو سلّمنا بأن هذا الكتاب هو في عمقه محاولة غير مباشرة لتجاوز “اللاهوت السياسي” نحو “الفلسفة السياسية” من جهة (وقد تجلت هذه المحاولة في مطالبته بتحرير الإسلام من الاهتمام بالمجالات القانونية والسياسية والعلمية)، ولإثبات الأصول الإسلامية لقيم الحداثة من جهة ثانية، لضاق اتساع الثغرة المذكورة.

وقد يذهب بنا الظن إلى أن عودة صاحب الإيديولوجية العربية المعاصرة إلى التجربة الدينية كمَنفذٍ للخروج من المأزق الذي يتخبط فيه الإسلام منذ مدة، تلتقي مع تيار فكري معاصر يرى بأنه ” فقط بالتوجيه الديني نحو نقطة مرجعية متعالية يمكن إخراج الحداثة المعطوبة من طريقها المسدود”[30]. غير أن ما نلاحظه على المنفَذ الذي ارتآه العروي أنه لم يتجاوز نطاق التأمل الفرداني، إلى الاعتراف بأهمية الحوار الديمقراطي بين الأفراد والجماعات لبلورة معالم هذا المَنفَذ. فهو لم يقترح معالجة التقابل الأساسي بين الدين والسُّنة، أو بين السنة والحدَث، عن طريق الحوار والنقاش الحرّ بين مواطنين أحرار في فضاء عمومي بناءً على مساطر وضوابط يتفق عليها الجميع. وهذا الموقف مخالف لأطروحته الأساسية القائلة بأن الإسلام في جوهره حر وإنسي وعقلاني. ومما يدل على تفضيله مسلك “الإنسان المتوحد” على مسلك “الإنسان المدني-السياسي بالطبع”، مطالبته إيانا بالتخلي عن الأحلام واليوتوبيات والمشاريع التاريخية، ونبذ الاستراتيجيات والتركيبات الكبرى، والاكتفاء بالمساطر والبروتوكولات والتكتيكات الصغرى[31]. لننصت إلى تساؤله المرعب: “وبعد التفكيك والتحليل ماذا؟ الصمت… والحرية” (ص 20). فإذا فهمنا الصمت بأنه يعني التصوف، أي العيش مع الواحد الأحد، فإن قناعتنا ستزداد رسوخاً بأنه أضحى يُفضِّل، في نهاية الأمر، الصمتَ على الجدل (الديمقراطي) (ص 70).

* * *

أخيراً، لا أملك إلا أن أشير، بالرغم من حدود اطمئناني لما سأشير إليه، بأن إخراج العروي لكتابه هذا ذكّرني بإخراج ابن عربي لكتابه العمدة، فصوص الحكم، مع وجود الفارق، بالطبع، على أكثر من مستوى. فقد نظر ابن عربي في هذا الكتاب إلى نظام الوجود عبر الأنبياء ليكشف لنا عن مقامات تجليات الحق في الخلق؛ وبالمِثْل نجد العروي يلجأ إلى الأنبياء لتفسير نظام الحضارات وانتقالاتها من طور إلى آخر؛ لكن بينما ينظر ابن عربي إلى بناء الوجود من خلال سبع وعشرين نبيّ، فإن عبد الله العروي اكتفى بنبيين أو ثلاثة، لا للنظر إلى النظام الروحي للكون، فهذا أمر لم يكن يهمه لحد الآن، ولكن لتأمل نظام التاريخ. وشتان بين البحث عن تجليات الحق والبحث عن تجليات الحضارة (العقل والحرية) في التاريخ. في الفص الإبراهيمي من كتاب فصوص الحكم يحكي لنا “الشيخ الأكبر” قصة سريان الحق في مخلوقاته، بينما يروي لنا العروي في كتاب السُّنة والإصلاح عن سريان الراموز الإبراهيمي في الديانات الثلاث، وسريان السجل الهلستيني في ثقافات البحر الأبيض المتوسط المختلفة إلى الآن. وهذا معناه أن العروي لا يؤسس تاريخه الحضاري على روحانية الأنبياء فقط، بل وأيضا على عقلانية الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء، وذوق المتصوفين والعرفاء. وهذا بالضبط هو معنى التاريخانية المركبة.

ولن يطيب لنا إنهاء قولنا هذا ما لم نضع سؤالا بقي في نفسنا، على أن نترك الجواب عليه إلى فرصة سانحة، وهو هل كان يريد من وضعه التصوفَ أفقاً لكتابه، أن يتحرر من “سجن الزمنية السنية”، ليقذف بنفسه في عالم الفن، الذي يواكب “اللافلسفة، [التي هي] إعراض عن الزمن ونفي لحقيقته”، أم كان يريد على العكس من ذلك التخلص فقط من “الزمنية السُّنية” الخانقة للانفتاح على الفلسفة التي هي “تفكير في الزمن”[32]؟

الهوامش
[1] . العروي، عبد الله، الإصلاح والسنة، الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي، 2008.

[2]. الكتاب يثير الدهشة حتى بطريقة نحته لألفاظ غريبة في مبناها ومعناها وكأنه يريد التفرد بمفاهيم من أجل إحداث البلبلة: النظيم ج نظائم، (ص 17، 19، 20)، يتهلسن (ص 18)؛ التعداد السلوقي! (ص 17)؛ التبطين (ص 80)؛ التغربة! (ص 55)؛ راموز (ص 56)، أمثولة (56، 86)؛ (57)؛ التبطين (80)؛ الرب الديان! (122) الخ.

[3]. نلاحظ لدى ع. العروي بعض التردد فيما يتصل بمنهج كتابته؛ فهو حينا يصفه بأنه تحليلات مقتضبة ومفصلة (190)؛ وينعته حينا آخر بأنه منهج نقدي اجتماعي استنتاجي على المنهج الفلسفي الافتراضي التأملي؛ ولو أن الهاجس الذي كان يسكنه على الدوام هو التحرر ما أمكن من منهج الفلسفة التأملية (194)؛ ويصف طريقته حينا آخر في التفكير بأنها لا تدخل لا في نطاق التفسير ولا في نطاق التأويل، وإنما في نطاق الرواية (120، 123).

[4] . يبدو أنه وقع تصحيف في رسم هذه الكلمة، إذ وردت في الكتاب برسم هلستيني، بدل هلنستي تعريبا لكلمة hellénistique.

[5] . لعله لهذا السبب قال بأن “التاريخانية تتوسط الميتافيزيقا (يقصد بها الفلسفة) وعلم الكلام”، هامش ص 28.

[6]. يتحدث عن الطابع المطلق للفشل قائلا: “تجربة الإنسان تجربة فشل وأمل ضائع، تجربة الحضارة وتجربة المُلك”، ص 41.

[7]. قد تفيدنا كتاب خواطر الصباح 3 في الانتباه إلى مضمون كتاب السنة والإصلاح وطبيعة فكر صاحبه الذي هو أميل إلى العقل العملي على حساب العقل النظري. فبمناسبة كلامه عن محمد إقبال، يعلن العروي عن اتفاقه مع موقف الفيلسوف الباكستاني الذي يفضّل فعل “أستطيع” على فعل “أتأمل“، وهو ما ترجمه كتابه هذا بعبارة “مقارعة الحدث بالحدث”. كما يعتقد مثله بأن العلم يذوب في الدين باعتباره تجربة صوفية ذاتية، إلا أنه يوافق على هذا الموقف انطلاقا من مبادئ خاصة به، انظر خواطر الصباح: حجرة في العنق، يوميات 1982-1999، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2005، انظر ص 278.

[8]. يعرّف العروي السُّنة بعدة تعريفات، منها أنها رفض وإقصاء، وطمس واختزال، وتقليد ورفض للمروق، وجدل ونفي، ورفض عنيد للحدث والعمل على تكييفه في نفس الوقت، الخ. وإجمالا السنة هي إلصاق الجديد، الحديث، بالقديم، بالمفهوم، أو إدخال الحدث الجديد، الذي لم يحدث مثله، في مقولة قديمة.

[9]. عن سُنّة الفلاسفة، انظر السنة والإصلاح، ص 152، وسُنّة المتصوفة، ص 151، وسُنّة المعارف العملية، ص 152-153.

[10]. الأصل الآخر هو الحدث الإبراهيمي.

[11]. لا ينكر العروي تماما أهمية الاستئناس بالمؤولين والاستعانة بكلام الفلاسفة لفهم القرآن والتجربة الأصلية؛ غير أنه يوصينا الاستعانة خاصة بأولئك الذين تابوا من ممارستهم الفلسفية والعلمية كالغزالي وابن طفيل، لا بالفلاسفة الشراح كابن رشد (ص 12). ومن الواضح أنه كان يقصد بالتوبة، الأوبة إلى الذات، إلى الإنسان الفرد، بعد أن كان تائها غارقا في الموضوع، مجتَمَعاً كان أو وجودا مطلقا. إنه نوع من الانتصار للنزعة الذاتية التي هجرتها التيارات الفلسفية المعاصرة الرئيسية.

[12]. يقول عن السر في ظهور الإصلاح وإخفاقه: ” يقوم [الاستعمار] بعملين متناقضين: يعيد إلى النور ما ليس بسنة، وفي الوقت نفسه يمنعه من أن يتطور إلى سنة مضادة، إلى بديل. هذا هو منحى الإصلاح الحديث، السر في ظهوره وفي إخفاقه”، نفسه، ص 205.

[13]. عن المجالات الثلاثة التي يحصر فيها التفكير البشري يقول: “واحد من ثلاثة: الإبستيمولوجية، الفن، التاريخانية. ولْيسِر كل على نهجه بلا لجج. عدا ذلك فهو لغو لا أسمعه. أٌدرِك حق الإدراك إني لا أجيب على هموم الأفراد، لكن هذا موضوع للقص والمناجاة لا للعرض والتحليل” ، عبد الله العروي، خواطر الصباح، م.م.، ص 35.

[14]. نشير سريعا إلى أن رفضه الانتماء لجماعة الفلاسفة راجع إلى رفضهم الاعتراف بتأثير الزمن[14]، وإلى اتخاذهم سبيل التحليل والبرهان أسلوبا لعرض أفكارهم، انظر نفسه، ص 195؛ ولو أنه في سياق آخر عرّف الفلسفة بالتفكير في الزمن، انظر نفسه، ص 195-196؛ ونفس السبب، طي الزمن، كان وراء انتقاده العنيف للسنة، يقول عن علاقة السنة بالزمن: “لأن السُّنة تعمل منذ قرون على طي الزمن ولا تشجع أبدا على تمديده وإبرازه”، نفسه، ص 195؛ هناك إشارات إلى سبب هجره أسلوب المؤرخين، وهو أنهم يكتفون برصد الأسباب والسوابق، مفضلا على ذلك إلى أسلوب التاريخانيين والاجتماعيين الذين يعنون بتعقّب الروابط والعلاقات، انظر نفسه، ص 165)، أي أنه فضّل أن يبقى في دائرة المقدمة (الخلدونية)، لا أن يتجاوزها إلى كتاب العبر، وكأن “التاريخان”، أو العمران، أضحى علم العلوم. وبهذه الطريقة الماكرة يكون العروي قد دخل من جديد أرضَ الفلسفة بجواز سفر تاريخاني بعد أن أمسى لا يعترف بانتمائه لمجال التاريخ الإخباري.

[15]. عادة ما يَربط ع. العروي التاريخ بالضوء والأنوار (ص 72)، مما يعني أن الفلسفة (المعارف والحقائق) لم تعد هي التي تحتكر استعارة الضوء في مقابل الكهف (الآراء، السياسة، التاريخ)، بل صارت التاريخانية تنافس الفلسفة باعتبارها إدراكا للحتمية الزمنية.

[16] . انظر ص 192، 202.

[17] . من المعروف أن النزعة التاريخانية تذهب إلى أن كل فعل، كل تفكير، كل فهم، مرتبط بأفقه التاريخي، الأمر الذي يعني بأنه لا مجال لفهم القدماء أكثر مما فهموا أنفسهم؛ يقول العروي: “المؤرخ ينظر إلى فعالية الإنسان في الكون بكيفية خاصة بها، مهما كانت ظروفه الزمانية والمكانية. إن المؤرخ إذ يؤرخ يعبر ضمنيا عن فلسفة في الحياة لا يتعداها أبداً. هذا هو أساس المذهب التاريخاني، كما نجده عند كروتشه وكولينجوود ومارو وغيرهم. التاريخانية، في رأي هؤلاء، هي فلسفة المؤرخ إذ يؤرخ، كما أن الوضعانية هي فلسفة العالم إذ يعمل في مخبره”، ثقافتنا في ضوء التاريخ، الدار البيضاء-بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992، ص 16؛ عن ارتباط التاريخانية بالحرية يقول: ” لا يُعنَى التاريخاني بالحقيقة بقدر ما يُعنَى بالسلوك، بوقفة الفرد بين الأبطال. التاريخ في نظره هو معرفة عملية أولا وأخيراً”، نفسه ص 17.

[18] . انظر السنة والإصلاح، ص 58-60.

[19] . “عدم حاجة العلم، السياسة، الفن، التكنولوجيا إلى نظيم”، نفسه، ص 19.

[20]. ولم يكن ليثبت ذلك لولا اعتماده على الكرونولوجيا الطويلة التي تعتبر الإسلام نقطة تحول لا نقطة بدء، انظر، نفسه، ص 175.

[21] . يقول العروي بأن مضمون الفلسفة المدرسية والكلاسيكية هلينستية: “من يتفلسف يتهلسن”، نفسه، ص 18.

[22]. يجدر بنا أن نشير إلى ما يشبه الدور التاريخي (لا المنطقي) فيما يقوله عن العلاقة بين الفلسفة والتيولوجيا: فمن جهة نجده يصرح أكثر من مرة في كتابه هذا بأن التيولوجيا (علم الكلام) كانت وليدة الفلسفة أو السجل الفلسفي الهللنستي (انظر ص 18)، ومن جهة ثانية نُلفيه يؤكد بأن الحداثة كانت نتيجة التيولوجيا، وليست نتيجة القطيعة معها والعودة مباشرة إلى الحضارتين اليونانية والرومانية.

[23]. ينتقد العروي بطريق غير مباشر الموقف الهايدجيري (وتيار تاريخ الفلسفة الذي ينتمي إليه) من الجوهر اليوناني للعلم والفلسفة متهما إياه باللاتاريخانية، انظر نفسه، ص 29-30؛ هناك جانب آخر تختلف فيه تاريخانية العروي عن تاريخانية هيدجر؛ فهذا الأخير يعتمد على الاشتقاق الفيلولوجي مؤولا الأسماء بطريقته الشخصية لتأدية معاني وهموم وجودية معاصرة. أما العروي فيرى أن لا نفع من الاشتقاق اللغوي في فهم بعض الكلمات الغامضة في الثقافة الإسلامية، ككلمة “الأمي” الذي هو صفة ذاتية ومميزة لنبي الإسلام.

[24]. عن الطّيف الماهوي الذي يخيم على فكر العروي، نقرأ: “وإذا حصل هذا الأمر بصورة تلقائية، فلأن موقع الإنسان في الكون لم يتغير. أكان بواسطة لغة الشعر أو لغة الرياضيات، بواسطة الأمثال أو الأعداد، فإنه دائما الإنسان، العقل، الذي يستنطق الكون، المحدود الذي يحاول إدراك اللامحدود”، نفسه، ص 34.

[25] . نفسه، ص 175-176.

[26] . انظر نفسه، ص 22

[27]. يلعب النبي إبراهيم دور المبدإ والغاية بالنسبة لكل شيء: “كل شيء يبدأ مع إبراهيم، وكل شيء ينتهي إليه. قصته مؤثرة، سيما فينا أبناء إسماعيل، لأننا أعرناها صيغة أكثر صفاء وبداهة. نزعنا عنها كل الزوائد… فيه وبه تحصل القطيعة الكبرى، مع الكون ومع الكواكب، مع الجماعة ومع الأسرة، مع الحضارة ومع الاستبداد. هو من يكسر ويجبر، يهدم ويشيد، يخفي ويظهر”، نفسه، ص 51. ينبه العروي إلى أنه لا يعود إلى ما قبل الوحي “عكس ما يتبادر لذهن البعض ليس في كلامنا عودة إلى ما قبل الوحي. لو فعلنا ذلك لناقضنا المنهج التاريخاني الذي نقول به”، نفسه، ص 211.

[28] . خواطر الصباح: حجرة في العنق ، ص 106.

[29] . عن طريقة إيمانه المتميزة يقول: “… أُشهِد أنا، دائما وأبداً، الرسولَ على الرسالة. لا أيّ رسول، في أية فترة من حياته الأرضية، بل رسول الفترة الأقرب إلى الوجدان، الرسول الذي أرضاه وأتولاه بكامل عقلي وجسدي”، الإصلاح والسنة، ص 200؛ ويضيف بنبرة أخرى: “وهذا النبي العربي، الذي أصبح بتوافق الأحداث نبيِّي أنا، أحَبُّ إلى قلبي من أولئك الغائبين جميعا. ينيرهم كما ينيرونه، يُغنيهم كما يُغنونه. أتماثل معه الآن لأني أرتاح إلى كل ما أختاره لنفسه. في إطار دعاء إبراهيم، هذه البقعة التي يحدها السد شرقا والمحيط غربا، رفض النبي العربي سُنّة اليهود وسُنّة النصارى. فعل ذلك بحزم وإن بوقار واحترام. واليوم في قرارة قلبي أرفض بالحزم نفسه ما رفض”، ص 201؛ لكنه ينبه إلى وجود “مبدإ موازي: لا تتمثلوا النبي كما تُصوره السُّنة، إذ في ذلك مس بكرامته”، نفسه، ص 202؛.

[30] . نشير بهذا إلى كارل شميث وم. هيدجر وليو شتراوس، انظر:

Habermas, Jurgen, Entre naturalismo y religión, trad. Pere Fabra y otros, Barcelona 2006, p. 115.

[31] . انظر السنة والإصلاح، ص 20.

[32] . نفسه، ص 197.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://oranphilosophie.forumalgerie.net
 
من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية قراءة أولية في كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اللقاء الفلسفي :: الأروقة الفلسفية :: نصوص منتقاة-
انتقل الى: